الجصاص
587
أحكام القرآن
أزواج في الشرك وأباحهن لهم بالسبي " . وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) [ النساء : 24 ] قال : " كل ذات زوج فإتيانها زنا إلا ما سبيت " . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في السبايا : " لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة " . واتفق الفقهاء على جواز وطء المسبية بعد الاستبراء وإن كان لها زوج في دار الحرب إذا لم يسب زوجها معها ، فلا يخلو وقوع الفرقة من أن يتعلق بإسلامها أو باختلاف الدارين على الحد الذي بينا أو بحدوث الملك عليها ، وقد اتفق الجميع على أن إسلامها لا يوجب الفرقة في الحال ، وثبت أيضا أن حدوث الملك لا يرفع النكاح بدلالة أن الأمة التي لها زوج إذا بيعت لم تقع الفرقة ، وكذلك إذا مات رجل عن أمة لها زوج ليكن انتقال الملك إلى الوارث رافعا للنكاح ، فلم يبق وجه لإيقاع الفرقة إلا اختلاف الدارين . فإن قيل : اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة ، لأن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان لم يبطل نكاح امرأته ، وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم تقع الفرقة بينه وبين زوجته ، وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب ثم خرج أحدهما إلى دار الاسلام لم تقع الفرقة ، فسلمنا أنه لا تأثير لاختلاف الدارين في إيجاب الفرقة . قيل له : ليس معنى اختلاف الدارين ما ذهبت إليه ، وإنما معناه أن يكون أحدهما من أهل دار الاسلام إما بالإسلام أو بالذمة والآخر من أهل دار الحرب فيكون حربيا كافرا ، فأما إذا كانا مسلمين فهما من أهل دار واحدة وإن كان أحدهما مقيما في دار الحرب والآخر في دار الاسلام . فإن احتج المخالف لنا بما روى يونس عن محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : " رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد ست سنين " ، وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة وبقي زوجها بمكة مشركا ثم ردها عليه بالنكاح الأول ، وهذا يدل على أنه لا تأثير لاختلاف الدارين في إيقاع الفرقة . فيقال : لا يصح الاحتجاج به للمخالف من وجوه ، أحدها : أنه قال : " ردها بعد ست سنين بالنكاح الأول " لأنه لا خلاف بين الفقهاء أنها لا ترد إليه بالعقد الأول بعد انقضاء ثلاث حيض ، ومعلوم أنه ليس في العادة أنها لا تحيض ثلاث في ست سنين ، فسقط احتجاج المخالف به من هذا الوجه . ووجه آخر : وهو ما روى خالد عن عكرمة عن ابن عباس في اليهودية تسلم قبل زوجها أنها أملك لنفسها ، فكان من مذهبه أن الفرقة قد وقعت بإسلامها ، وغير جائز أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما قد رواه عنه . والوجه الثالث : أن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده : " أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص بنكاح ثان " فهذا يعارض حديث داود بن الحصين ، وهو مع ذلك أولى لأن حديث